займ на карту
الرئيسية » اقلام ذهبية » التّغيّرات في المدى الجغرافيّ للبلدات العربيّة وأثرها في تفاقم ظاهرة العنف -بقلم: طارق بصول

التّغيّرات في المدى الجغرافيّ للبلدات العربيّة وأثرها في تفاقم ظاهرة العنف -بقلم: طارق بصول

التّغيّرات في المدى الجغرافيّ للبلدات العربيّة وأثرها في تفاقم ظاهرة العنف –بقلم: طارق بصول

 

بسم الله خير الأسماء، والحمد لله الذي أحصى جميع الأشياء ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السّماء، والصّلاة والسّلام على عبده ورسوله سيّدنا مـحمّد خاتم الرّسل والأنبياء. أمّا بعد،

يعرّف المدى الجغرافيّ للبلاد كمجال يبحث التّطوّرات والتّغيّرات التي تجري على مُسطّح البلدة (مدينة- قرية) وكلّ مكان استيطان معيّن بحيث يتغيّر حجم وشكل البلدة. هناك عدّة عوامل تؤثّر على هذا التّغيّرات كالتّطوّر الاقتصاديّ والدّيـمغرافيّ. إذن فالـمدى الجغرافيّ هو مجال يبحث في التّغيّرات التي تجري على مُسطّح البلدة كاتّساع الـمساحة الاستيطانيّة في أعقاب التّطوّرات الاقتصاديّة وازدياد عدد السّكان، ومن جهة أخرى هناك حالات نادرة مثل تقليص مساحة الاستيطان النّاجـمة عن الحرب أو أي كارثة طبيعيّة أخرى.

بعد تعريف مصطلح الـمدى الجغرافيّ سوف نبحث في هذا المقال مدى تأثير التّغيّرات في المدى الجغرافيّ للبلدات العربيّة على تفاقم ظاهرة العنف في الـمـجتمع.

فحتّى منتصف القرن الماضي (القرن العشرين) اتّخذ الاستيطان في البلدات العربية شكلاً تقليديًّا: كانت موقع البلدة عل مرتفع صغير أو جبل للأسباب التالية: أوّلاً ليتمّ استغلال الأراضي السهليّة للزّراعة، ثانيًا بـهدف الحماية والدفاع عن نفسها.

بالإضافة لذٰلك كانت النواة المركزيّة كالمسجد أو الكنيسة هي مـحور الاستيطان في البلدة، وكان عدد البنايات قليلٌ جدًّا وعدد المساحات الزّراعيّة أكبر بكثير، فالزّراعة آنذاك كانت الـمصدر الأساس لـمعيشة السّكان.

ولكن بعد منتصف القرن العشرين وبعد وصول الثّورة الصّناعية، والتي بدأت عام 1775، من أوروبا إلى منطقتنا أخذ يطرأ تغيّر أساسيّ على الـمدى الجغرافيّ، فالثورة الصناعية أحضرت معها التّطوّر العلميّ والطّبـّيّ والصّناعيّ، الأمر الذي سارع في تطوير البنية التحتية كوجود المواصلات وتطوير شبكة الشّوارع وتسهيل الانتقال من القرية إلى المدينة، بالإضافة إلى ذٰلك تنامي نسبة الحاصلين على الألقاب الجامعيّة الذين انخرطوا في سوق العمل البديل للزّراعة كموظّفين ومعلّمين وغير ذٰلك. بـمعنى آخر انتقال من القطاع الاقتصاديّ الأوّل إلى القطاع الاقتصاديّ الثاني أو حتّى الثّالث وهو الصّناعة والخدمات. ويمكن إجمال الأثر الذي تركته الثورة الصّناعية على سكان البلدات العربية بالنقاط التالية:

 

  • توفير مـجالات عمل جديدة ورفع مستوى المعيشة لدى السّكّان الـمحلّيّين، بـحيث ارتفع معدّل الدّخل الشّهريّ.
  • تطوّر الطّبّ أدّى إلى ارتفاع عدد السّكان، وهنا نعني نسبة التكاثر الطبيعيّ لدى السّكّان العرب في البلاد خلال فترة الحكم العسكريّ (1948-1966) وصل إلى 0.4 %.
  • انخفاض في قيمة الأرض الزراعيّة واستغلالها للبناء.

 

النقاط الثلاث التي ذكرت أعلاه أدّت إلى تغييرات بشكل الاستيطان والبناء في البلدات العربية، ففي المدى الـمعماريّ تم توسيع مُسطّح البناء وبدأت تظهر ظاهرة الزّحف الـمعماريّ من النواة باتّجاه الأطراف. وفي المدى الاقتصاديّ تم التّحوّل من القطاع الاقتصاديّ الأوّل، وهو الزّراعة، إلى القطاع الاقتصاديّ الصّناعيّ. وبـهـٰذا ازداد الدّخل الشّهريّ لدى العائلة العربيّة وارتفع مستوى المعيشة وتعاظم الاستهلاك العامّ للعائلة فمثلا: أصبحت معظم البيوت موصولة بشبكة هواتف أرضيّة، ومعظم العائلات يمتلك أفرادها هواتف نقّالة. بالإضافة لبناء بيوت على الطّراز الأوروبيّ (حجر، وقرميد، وجنائن، وأحواض مياه)، عائلة ستة أفراد تملك ثلاث أو أربع مركبات. أجهزة كهربائيّة داخل البيت من أجل الرّاحة التامّة. هــٰذه الاستهلاكيّات التي كانت قبل ثلاثين عامًا جديدة أو غريبة أضحت، مع بداية الألفية الثالثة، احتياجات أوّلية لا يمكن الاستغناء عنها.

في السّنوات العشر الأخيرة سادت البلاد أزمة اقتصاديّة عقب التقليصات التي قامت بـها الحكومة في القطاع العامّ، وتخوّف المبادرين وأصحاب رؤوس الـمال في القطاع الخاصّ، وارتفاع نسبة البطالة وانخفاض الدّخل الشّهريّ لدى الفرد والعائلة. الأمر الذي أدّى إلى صعوبة الحصول على الاستهلاكيّات التي غدت جزءًا منّا لا يمكننا الاستغناء عنها ومن أجل الحصول عليها نحتاج إلى الأموال التي فقدت أو تقلّصت عقب الأزمة الاقتصاديّة.

هـٰذه الأمور جعلت الإنسان يعيش في شكل من أشكال الضّغط النّفسيّ وهنا نستشهد بالآية الكريمة ﴿حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ [سورة التّوبة 9/118] بسبب عدم قدرته على تلبية احتياجاته التي تعوّد عليها فنراه يـحاول البحث عن أيّ وسيلة للحصول على الأموال لتأمين هـٰذه الاحتياجات التي أضحت في نظره احتياجات أوليّة، ولكنها في الأصل احتياجاته من الدّرجة العاشرة!!! ويـمكن الاستغناء عنها. وعلى هـٰذا المنوال يقلّ التسامح والصبر. وفي الآونة الأخيرة تطالعنا الصّحف المـحلية بشجارات هنا وهناك بسبب أمور ناجمة عن الضّغوطات النّفسيّة.

إنّ الثورة الصّناعيّة هي سيف ذو حدّين، فتوظيفها إيـجابيًّا يعود بالفائدة علينا وعلى الـمجتمع، أمّا استغلالها سلبـيًّا فقد يجعلنا نصل إلى أمور نحن في غنى عنها. لذا يتحتّم علينا أن نواجه التّطوّرات التي تتسلّل إلى مـُجتمعنا بـحكمة وإدراك، من حيث التّطوّرات في الـمدى الاقتصاديّ أو في أيّ جانب آخر، وعلينا أن لا نتأثّر بالآخرين ولا نـحمّل أنفسنا أمورًا لا نستطيع القيام بـها فيما بعد. وعلينا أن نوقن بما قاله الله تعالى في كتابه العزيز ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [سورة الذّاريات 51/22]

والحمد لله الذي بنعمته تتمّ الصّالحات