الرئيسية » اقلام ذهبية » بين أبو تمّام وترامب – الشيخ كمال خطيب

بين أبو تمّام وترامب – الشيخ كمال خطيب

|| المقال الأسبوعي
بين أبو تمّام وترامب

قال الشاعر العربي الكبير أبو تمّام :
وإذا أراد الله نشر فضيلة طويت أتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال النار فيما جاورت ما كان يعرف طيب عرف العود

ولكأني بأبي تمّام يجلس في زماننا وهو يرى وينظر إلى حال القدس وكيف نسيها القادة القوميون العرب بعد إذ فرّطوا فيها ولم يدافعوا عنها ولم ينتصروا لها، لا بل إنهم تركوها فريسة سهلة للاحتلال الإسرائيلي عام 1967 ، ثم جاء أبو مازن كمهندس أوسلو” ليهندس وبدقة كيف تضيع معالم القدس وقد تركها لما يسمى بمفاوضات الحل النهائي التي لم تأت رغم مرور 24 سنة على أوسلو، و لتصبح القدس غير القدس بعد مشاريع التهويد والاستيطان التي تعرضت لها، حتى لكأن قضية القدس أصبحت ملفًا قديمًا وصفحة قد طويت، وإذا بترامب وفي يوم 6/12/2017 وهو يوقع على قراره ووعده المشؤوم بإعلان القدس عاصمة موحدة أبدية لإسرائيل، وما أعقب ذلك من هبة شعبنا وانتفاضته وغضبه، بل ومن هبة شعوب العرب والمسلمين والمخلصين من قادتهم، وإذا بالقدس وقضيتها تعود لتتصدر الواجهة بل ولتفتح الأبواب كل الأبواب على كل الاحتمالات، ولتذكر الدنيا بقضية شعب مظلوم اغتصبت أرضه وهُجّر من وطنه، بل ولتعتبر أن البداية كانت من وعد بلفور قبل إذ تكون النهاية بوعد ترامب.

فلكأني بأبي تمّام يقف ويرى مشاهد التحرك والهبة الشعبية الفلسطينية وسقوط الشهداء والجرحى، وليرى جموع الأمة تنتصر للقدس من أقصى بقاع الدنيا إلى أقصاها، وإذا بشاعريته تتفجر وليقول :

وإذا أراد الله نشر قضية طويت أتاح لها لسان حقود
لولا اشتعال النار في القدس ما كان يكشف زيف آل سعود

لقد قام ترامب بعنجهيته وغبائه وبحقده ومحاولته لتقديم المزيد من الدعم والإسناد وتحقيق المصالح لإسرائيل بتوقيع قراره حول القدس، وإذا بجرة القلم هذه، وإذا بلسان الحقد الأسود ينبعث من خطابه ليكون سببًا في اشتعال نار الغضب ولهيب الثورة عند المسلمين، الأمر الذي جعل ترامب ونتنياهو يدركان عظيم مكانة القدس عند كل الفلسطينيين وكل العرب والمسلمين، و ليصل عبق ريح ونسمات ونفحات القدس إلى كل أصقاع الدنيا. إنها نار أحقاد ترامب، وإنه قراره الذي أشعل نيران الغضب ليدرك ترامب ونتنياهو أن هذه هي القدس، وأن النار التي أشعلاها ستحرق الأيدي التي أشعلتها أولا، وأن الحجر الذي ألقاه هذا المعتوه في البئر فلن يستطيع عقلاء الدنيا أن يخرجوه .
لقد ساهم ترامب من حيث لم يدر ولم يشأ أن يعيد قضية القدس إلى الواجهة بعد أن كادت تنسى وتطوى، بل وأن يعيد قضية شعبنا الفلسطيني المظلوم، لتعود هي القضية التي تجتمع عليها كل شعوب الأمة، ولتعود البوصلة العربية والإسلامية لتتجه كلها نحو القدس رغم محاولة الظلمة والطواغيت أن يصرفوا اهتمام الشعوب للانشغال بأنفسهم والدفاع عن أنفسهم من بطش جبابرتهم وطواغيتهم.

# ما الفرق بين الملح والسكر

إنه لا فارق بين لون الملح ولون السكر فكلاهما أبيض اللون، لكنك ستعرف أن الفارق بينهما كبير بعد التجربة والتذوق، وكذلك هم الملوك والرؤساء. هذا ملك وذاك رئيس والآخر أمير كلها ألقاب ورتب، هذا صاحب جلاله وذاك صاحب فخامة والآخر صاحب سمو، ولكن بعد التجربة وبعد المواقف وبعد السياسات فإنك ستعرف أنهم جميعا كما وصفهم الشاعر:

ألقاب مملكة في غير موضعها كالهر يحكي انتفاخا صولة الأسد
ليس أننا كنا مغرورين ومتوهمين في ملوك العرب ورؤسائهم، فإنهم كما عرفناهم قد أشربوا الذل وقد صنعوا على عين أمريكا وإسرائيل. ولكن قضية القدس وموقفهم من وعد وقرار ترامب قد جاء ليؤكد المؤكد عندنا، وليزيل آخر قناع وآخر ورقة توت عن عوراتهم عند من كان يظن فيهم خيرًا.
نعم لقد جاءت القدس لتعريهم ولتفضحهم ولتكشف سترهم، وليتبين أن ليس كل ملك هو ملك، ولا كل رئيس هو رئيس، وأن البياض لا يعني تشابه الملح والسكر، وإنما عند التجربة يتبين أن الفارق بينهما كبير.

أليس الفارق كبير بين موقف رئيس تركيا رجب طيب أردوغان ووضوح موقفه، وبين موقف السيسي رئيس الانقلاب في مصر. أليس الفارق كبير بين ملك السعودية الذي حشد لاستقبال ترامب في الرياض في شهر نيسان 45 رئيسًا وملكًا ولم يتغيب إلا أردوغان، وقد جلسوا كلهم يصفقون أمام ترامب مثل الأطفال الصغار أمام معلمهم، وما لبث أن يغادر الرياض ليصل إلى القدس ويكون أول فعل فعله هو الصلاة عند حائط البراق باعتباره حائط المبكى وقد لبس “الكيباه” اليهودية على رأسه. بينما الرئيس التركي يتحرك سريعًا منتصرًا للقدس الشريف ويدعو لعقد قمة إسلامية طارئة كان أهم الغائبين عنها ملك السعودية وملك المغرب ورئيس انقلاب مصر.

ليس أننا نقارن بين رئيس انقلاب مصر ورئيس تركيا، بل ليت ملك السعودية ورئيس انقلاب مصر كانا مثل رئيس فنزويلا وبوليفيا، بل ليتهم كانوا مثل رؤساء دول هي في الأصل حليفة لإسرائيل، لكنها اعتبرت قرار ترامب وتأييده قد تجاوز كل الحدود لدرجة أنهم وجدوا أنفسهم غير قادرين على احتماله والدفاع عنه.
فيا أصحاب الجلالة والفخامة السمو، يا ملك السعوديه ويا رئيس انقلاب مصر ويا أمراء الإمارات أنتم لستم سكرًا ولا حتى ملحًا، أنتم سم زعاف، أنتم ترياق الخيانة، ولا يغرنكم أنكم أصحاب جلالة وسيادة!! فلقد فضحتكم القدس وكشفت زيفكم.

# أيهما أنظف رجلي أم وجهك

إنها قصة حقيقية لطالب سوداني مسلم ويعتز بإسلامه ويحافظ على أداء ركن الصلاة، وكان يتعلم في الجامعة الأمريكية في لبنان. وذات يوم وبينما كان هذا الطالب يتوضأ وإذا بأحد المحاضرين الأمريكيين الحاقدين على الإسلام يراه وهو يتوضأ للصلاة، فأخذ يصرخ فيه ويعلي صوته ليجمع حوله جمهرة من الطلاب والمدرسين ومستمرًا في الصراخ ( كيف تغسل قدميك في حوض نغسل فيه وجوهنا ؟ ).
إن صراخ ذلك المحاضر الأمريكي الحاقد وافتعاله هذا المشهد ليس إلا سببًا لإساءة الطالب السوداني الملتزم، تمامًا كما هي قصة الذئب مع الخروف الذي وجده يشرب من حوض ماء بينما هو واقف عند رأس شلّال يصب في ذلك الحوض، فنادى الذئب في الخروف، لماذا تعكر الماء الذي أشربه؟. فقال الخروف: ولكنك أنت الذي تعكره فيصل إليّ معكرًا، فأنت في رأس الشلّال وأنا عند الحوض. قال له الذئب: ألست أنت الذي شتمتني في العام الماضي؟ فقال له الخروف: ولكنني ولدت قبل ستة أشهر، فكيف شتمتك قبل سنة. فقال له الذئب: إذن أبوك الذي شتمني. قال الخروف: ولكن أبي مات منذ مدة. قال الذئب: إذن جدك الذي شتمني. وما كل ذلك إلا تبريرًا له ليفترس الخروف.

نعم لقد افتعل المحاضر الأمريكي هذه المشكلة ليبرر الإساءة للطالب السوداني الذي كان أذكى منه وأكثر رجولة، فقال للمحاضر على مسمع الطلاب والمحاضرين والمتجمهرين: كم مرة تغسل وجهك يا استاذ في اليوم؟. فقال وبكل افتخر: كل يوم مرة وفي الصباح. فقال له الطالب: أما أنا فإن الإسلام أمرني أن أغسل قدمي في اليوم خمس مرات على الأقل، ولك الآن أن تحكم أيهما أكثر نظافة رجلي أم وجهك؟!.
إن ترامب الأمريكي الأصفر الذي يتصور نفسه أنه يحاضر في الأخلاق والقيم والإنسانية، وأنه يتهمنا نحن المسلمين بالإرهاب إلى درجة أنه يقرر حرماننا من قدسنا، وأنها ليست لنا، وأن حائط البراق هو ليس من مسجدنا. إن ترامب الأصفر هذا بحاجة ليس إلى من يتودد إليه ويتوسل بين يديه ويقدم له الهدايا بل ومليارات الدولارات ذلًا وصَغارًا كما فعل حكام السعودية، وإنما هو الذي بانتظار من يكيل له الصاع بصاعين، ويقول له: “من خليفة المسلمين إلى كلب الأمريكان ترامب” . نعم لسنا نحن الإرهابيين يا ترامب وإنما الإرهابيون أنت وأجدادك الذين أسقطوا القنابل الذرية على اليابان يا قتلة الهنود الحمر، يا أعداء الأمريكيين السود، يا كارهي جيرانكم المكسيكيين، يا قتلة أطفال أفغانستان والعراق وسوريا.

ملكنا فكان العفو منا سجية فلما ملكتم سال بالدم أبطح
وحللتم قتل الأسارى وطالما كنا عن الأسارى نمن ونصفح
فحسبكم هذا التفاوت بيننا فكل إناء بالذي فيه ينضح

# ثم يأتي الربيع

اليوم الجمعة 22/12 هو اليوم الأول من أيام فصل الشتاء، الفصل الذي ينزل فيه الغيث وفيه يُسقى الناس بماء البركة ينزل إليهم من السماء. لكن فصل الشتاء يتميز أن فيه تتبلد السماء بالغيوم، وتختفي أنوار الشمس خلف السحب الداكنة فتكون العتمة وتكون الظلمة. إنه فصل الشتاء الذي فيه يخطف البرق أبصار الناس وتقصف فيه الرعود بما يثير الفزع والهلع. إنه الشتاء الذي فيه تزمجر الرياح وتثور العواصف العاتية وتضرب أمواج البحر الشواطئ. إنه الشتاء الذي تكثر فيه السيول وتفيض الأنهار تقتلع الأشجار بل وتجرف البيوت. إنه الشتاء رغم الخير الذي فيه، إلا أن فيه كذلك ما يجعل الإنسان منا يدعو الله أن يجعله مطر رحمة وبركة لا مطر نقمة وعذاب.

لكن عزائنا أن بعد الشتاء حتمًا ويقينًا سيأتي الربيع، الربيع الذي فيه تتحول الأرض إلى جنان خضراء، فيه تتفتح الأزهار وتبرعم الأشجار، فيه يبعث الدفء والأمان، فيه تشرق الشمس فلا تحتفي خلف السحب، فيه تزقزق العصافيرعلى الأشجار وتحوم الفراشات وتسرح النحلات. إنه الربيع عنوان الأمل والبِشر والفرح والحبور، لكنه لا يأتي إلا بعد الشتاء ولكنه الشتاء حتمًا من بعده سيأتي الربيع.

وإننا ونحن نعيش في زمن عربدة الباطل وصولته وجولته وزمجرة ريحه، وقصف رعود باطلة، بل وإننا نعيش حيث الباطل يريد أن يجرفنا ويجتث ديننا، ويريد أن يغيب شمس إسلامنا، وينكس رايتنا الخضراء راية الحق، إلا أننا على يقين أنها مرحلة وستمر، وستطلع شمسنا ويشرق صبحنا، وتزقزق عصافيرنا وترقص فراشاتنا. نعم والله إننا على يقين أن بعد الليل فجرًا، وبعد العتمة صبحًا، وأن بعد العسر يسرًا، وأن بعد صولة الباطل وجولته حتمًا ويقينًا ستكون جولة الإسلام، تمامًا مثلما أن بعد الشتاء ربيع فإننا على موعد قريب مع ربيع أمتنا بإذن الله تعالى فانتظروا إنا منتظرون.

رحم الله قارئا دعا لي ولوالدي ولوالديه بالمغفرة
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون